حيدر حب الله

373

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

تعني الأمارة في اللغة العلامة ، ويقصد الأصولي بها الطريق أو السبيل الذي يحتوي درجة من كشف الواقع ، فاليقين الذي يحصل للإنسان بوجود حيوان خلف الجدار يعدّ طريقا للوصول إلى الواقع ، ويمكن أن نسميه كاشفا عنه ، حاكيا ، دالا مرشدا ، ما شئت فعبّر ، لكن اليقين لا يسمّى في الاصطلاح الأصولي عادة بالأمارة ، بل يختصّ هذا الاسم بتلك الطرق الظنية الكاشفة كشفا ناقصا عن الواقع لا تاما كاليقين ، مثل الظن والشك والاحتمال ، إذا ، فالأمارة كل طريق يحتوي درجة من الكشف عن الواقع ، بيد أنها غير تامّة . أما كلمة الأصل فتطلق على ما لا يكون حجة لأجل كشفه عن الواقع ، بل لأجل كونه معيارا لوظيفة عملية يقوم بها العبد عندما يفقد الأدلّة اليقينية والأماراتية ، مثل أصالة البراءة التي تحدّثنا عنها قبل قليل ، فالآية القرآنية لا تعطينا المبدأ الذي يساعدنا على كشف الواقع ، بل تعطينا مخلصا عمليا في نطاق الجهل بالواقع التي نتخبط فيه . ويسمّى النوع الأول - أي الأمارات - بالأدلّة المحرزة ، فيما يسمّى النوع الثاني بالأدلّة العملية أو الأصول العملية ، وثمّة تسمية قديمة تعود إلى الوحيد البهبهاني ، حيث أطلق على الأمارات - وفقا لتعريفاته للفقه والاجتهاد - اسم الأدلّة الاجتهادية ، وعلى الأصول : الأدلّة الفقاهتية « 1 » . وهناك بحوث أصولية موسعة حول أنواع الأصول العملية ، وحول نوع العلاقات التي تربط الأمارات بالأصول ، ويعدّ هذا التقسيم الثنائي للأدلّة - كما يعتقد باقر الصدر « 2 » - من ميزات الفقه الشيعي ، سيما بعد الوحيد البهبهاني ( 1205 ه ) ، وبالأخص بعد الشيخ مرتضى الأنصاري ( 1281 ه ) . 4 - الحجية الذاتية والجعلية : يقصد بالحجية الذاتية ، الحجية التي تثبت لطريق بذاته ، دون أن يقوم مشرّع أو معتبر بإضفائها عليه ، والأنموذج الذي يقدّمه أصول الفقه لهذا الطريق هو اليقين ، فعلماء الأصول - فيما هو المعروف بينهم على الأقل - يعتقدون أن الحجية الثابتة لليقين ذاتية ، لا يعطيه إياها أحد ، كما لا يسلبها منه أحد ، لهذا قالوا بنظرية استحالة سلب المنجزية عن القطع أي اليقين . إذن ، فاليقين غير محتاج إلى من يعطيه اعتباره وفق قواعد العقل العملي ، فهو بنفسه يملكه ، كما لا يمكن لأحد سلبه هذا الاعتبار الذي نسميه الحجية بفرعيها : التنجيز والتعذير .

--> ( 1 ) - راجع ، الصدر ، دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة 1 : 32 - 33 ، و 2 : 11 - 13 ؛ وانظر : صنقور علي ، المعجم الأصول : 204 - 207 ؛ 245 - 246 ، 595 - 596 . ( 2 ) - محمد باقر الصدر ، مباحث الأصول 3 : 19 - 23 ؛ وبحوث في علم الأصول 5 : 9 - 11 .